إدارة المخاطر في زمن الكوارث

بعد كل كارثة تواجهها مصر، يتاولى النحيب والعويل على الاهمال والفساد الذي يتسبب في ضياع عشرات / مئات / آلاف الأرواح، وتقوم الحكومة مشكورة بـ”محاسبة” بعض صغار المسئولين، وربما قد تصل إلى إقالة بعض كبار المسئولين لامتصاص السخط الشعبي، ثم تدفع “تعويضات” لأهالي الموتى والجرحى! ولكن هل يشفي هذا غليل الناس ؟؟ وماذا يتم فعلياً لتلافي حدوث مثل هذه الكارثة في المستقبل؟؟ صفر!! ـ
تتغير الوجوه الكالحة، تتبدل الأسماء بالبنط العريض، ويظل المصير واحد.ـ

وهنا أنا لا أتهم شخص بعينه أو مسؤوا محدد، بل اتهم كائن هلامي يعشش في العقلية المصرية، نقبله بكل بساطة لأننا تعودنا وجوده معنا وأصبح مكون أساسي في الشخصية المصرية، وهو اللامبالاة. بداية من الأب الذي يسافر دون التأكد من سلامة الاطار الاحتياطي، السائق الذي “يخطف” الدوران عكس الطريق، حارس الأمن الذي يتجاهل صفير جهاز الكشف عن المعادن، وصولاً إلى الفني الذي لم يقم بمراجعة أجهزة عبارة، أو حارس لم يضع سلسلة مزلقان القطار. كل هؤلاء يرددون “حتعدي المرة دي” ، “ان شاء الله خير” ، “إيه اللي حيحصل يعني” ، “فال الله ولا فالك”، إننما لو فكروا لوهلة في فداحة مصابهم إذا حدث ما هو ممكن، ومقارنة تكلفة الخطوات الاضافية مقابل الاحساس بالأمان، لعصروا على أنفسهم ليمونة وأعادوا التفكير مرة أخرى في إرشادات الأمن والسلامة.

إدارة المخاطر تعني ببساطة تقييم المخاطرة حسب احتمال وقوعها والآثار المترتبة عليها، ثم العمل على بناء منظومة للتعامل مع تلك المشكلة حسب أهميتها. فمثلاًالمخاطر التي قد لا تتكرر ولكن لها تأثير مدمر (مثل الحوادث) يجب أن تكون على قائمة الأولويات مقارنة بمخاطر قد تتكرر ولكن تأثيرها أضعف نسبياً (مثل انقطاع الكهرباء). ولذا تلك المخاطر ذات الأهمية القصوى  يجب أن تكون خط أحمر ، يعلم كل فرد في الهيئات المعنية دوره لتلافي حدوثها، ليس بسبب التعليمات الملصقة على الحائط ، بل بسبب الأرواح المرتبطة بهذا الحدث الشنيع.  وقتها قد نستطيع محاصرة الفهلوة المصريةالتي تستمتع بالتحايل على التعليمات والتهرب منها. الاحساس بالمسئولية هو الحل. ـ

صديقة لي تعمل في مجال التنمية، مرت بتجربة وضحت لي أنه لا يزال هناك أمل في العقلية المصرية للتغير. كانت صديقتي تعمل في برنامج يهدف إلى التوعية بأساليب السلامة والصحة المهنية في الحرف اليدوية، وكان تطبيق البرنامج في مدينة تشتهر بورشها الحرفية. واجهت صديقتي صعوبات كثيرة للوصول إلى مفتاح الشخصية الحرفية لكي يتقبلوا النظر في تغيير أسلوب عملهم، ولكنها في النهاية استطاعت إلى كسر هذا الحاجز عندما ذكرتهم بالوقت والجهد والمال الذي سيتم توفيره إذا اهتم صاحب الورشة بصحة وسلامة الصنايعية العاملين معه. ورغم ذلك استمرت بعض التذمرات من الوقت المهدر في محاضرات وشروحات يعلمونها جيداً (وإن كانوا لا يطبقونها)، مثل التعامل مع الأجهزة الحادة، استخدام أجهزة الاطفاء، تحديد مخارج الطوارئ، حتى وقع حاث حريق أليم بإحدى الورش، أصيب فيه عدة عمال بحروق مختلفة الدرجات، إلا أن البعض استطاع في وسط ألسنة اللهب تذكر أن الورشة أكيد بها مخرج للطوارئ، وفي النهاية وجده ونجى بحياته رغم الحروق الخطيرة التي ألمت به.  ,وأنا متأكدة أنه منذ تلك الواقعة سيعلم المشاركون أن محاضرة السلامة المهنية وخطط الإخلاء ليست مجرد ساعتين يمضوها والسلام، بل أصبحت في صميم اهتمام صاحب الورشة لكونه المسؤول عن العاملين معه. ـ

نعود مرة أخرى إلى تطبيق منظومة إدارة المخاطر على الواقع المصري المتخاذل، سنجد أن ما يتراءى لأذهان المتخصصين مباشرة هو إدارة المخاطر المالية، والتي تضطلع بها إدارات مخصصة بالبنوك والمؤسسات المالية بشكل عام، نظراً لوجود حافز اقتصادي مباشر. أما فكرة إدارة المخاطر بالمفهوم الأعم الذي يفسر الخطر بمختلف أشكاله، فلا يتم تطبيقه إلا في شركات معدودة، وفي الأغلب لا يكون ذلك لوجود نظرة قائدة مسؤولة لا سمح الله، بل عادة بسبب وجود متطلبات من المستثمرين الأجانب الذين يعتمدون على أنظمتهم في الرقابة على أداء الشركات، فتتحول الإدارة في النهاية إلى استمارات تملأ ثم ترسل في تقرير إلى مجلس الإدارة وفي النهاية تخزن في الأرشيف. ـ

أما في القطاع العام، فإذا حدث أن سمع أحد المسؤولين “الواصلين” بفكرة إدارة المخاطر وأعجبته، فإني أتوقع الآتي: أولاً سيقوم بكتابة مذكرة لمتخذي القرار في الحكومة، وإن أشر بالموافقة، قد يأمر إما باضطلاع إحدى اللجان بدراسة هذا الموضوع تعود إليه بتقرير بعد سنة، أو سيذهب إلى شركة أجنبية (لمجرد كونها شركة أجنبية) تصل إلى تقارير مشحونة بتوصيات ثمنها ملايين الدولارات. ثم يعمم منشور دوري لكافة الإدارات والقطاعات بالحكومة لتطبيقها، يتم إحالتها يوم بعد يوم إلى أصغر أعضاء الإدارة سناً، ويمر الوقت وتصبح هذه الفكرة مجرد حبر على ورق يلف به حارس الأمن ساندوتشات الفول الصباحية.ـ

الحل الأوقع في رأيي هو أولاً زرع الاحساس بالمسؤولية لدى الأفراد القائمين على الخدمات ذات أخطر التأثيرات على الجمهور، سواء في مجال النقل، والصحة، والبنية التحتية. كيفية الوصول إلى ذلك الهدف النبيل ليست بالأمر الهين. فمعرفة مفتاح شخصية المخاطب والتسلل في وعيه يجب أن تتم بسلاسة ليقوم هو شخصيا باقناع نفسه الآمرة بالسوء بضرورة اتباع تعليمات السلامة. ثانياً، يجب أن تبدأ المؤسسات بدراسة سوابق الحوادث والكوارث التي تعرضت، ووضع تصورات عن ماذا سيحدث لو تكررت صباح غد. هل بمقدرتها تحجيم تأثيرها؟ هل تستطيع وأدها من البداية؟ ما هي الحلول الواقعية التي يمكن البدء بها للقضاء على جذور تلك المشكلة؟ ثالثاً، يجب أن تحدد كل مؤسسة (سواء كانت الشركة صغيرة الحجم أو الحكومة بكل أجهزتها) قائمة المخاطر الممكن حدوثها (أخذاً في الاعتبار دراسات السوابق الكارثية مثلما ذكرنا في النقطة السابقة)، لتحديد أولويات وضع الحلول حسب معيار احتمال وقوع الحدث وتأثيره المتوقع. على الأقل سيمكن عن طريق هذا وضع تصور لكيفية التغلب على مصائب الزمن وإهمال البشر.ـ

في الحقيقة لا أدري الفائدة الحقيقية لهذه الكلمات. ربما هي مجرد تنفيس عن الغضب بعد حادث القطار، وربما يكون الدافع هو الرعب من احتمال تعرضي أنا شخصياً أو فرد من أسرتي لتجربة مماثلة نتيجة الإهمال الفردي والمؤسسي ، وتراكم التراب على العقل المصري حتى صار لا يفكر في المصيبة إلا فور وقوعها ثم ينساها (أو يتناساها) حتى تقع مرة أخرى ليعاود نفس وتيرة العويل دون فعل حقيقي لمنع حدوث الكارثة مرة أخرى. ولعل وعسى يكون هذا الكلام الموجز خطوة -وإن كانت ميكروسكوبية- نحو سيناريو أفضل لمصر.ـ

One response to “إدارة المخاطر في زمن الكوارث

  1. Pingback: إدارة المخاطر في زمن الكوارث | Egypt's First Risk Management outlet

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s