النباهة و الاستحمار

– عندما يشب حريق في بيت ، ويدعوك أحد للصلاة ، والتضرع إلي الله ، ينبغي عليك أن تعلم أنها دعوة خائن ، لأن الاهتمام بغير إطفاء الحريق ، والانصراف عنه إلي عمل آخر ، هو الاستحمار ، وإن كان عملاً مقدساً

النباهة و الاستحمار … عنوان شيق لسلسلة من المحاضرات ألقاها الدكتور علي شريعتي في طهران،  سجلت على أشرطة، ثم تم نقلها و ترجمتها إلى العربية. و يجب أخذ هذا في الاعتبار، فالمقالات في الأساس هي محاضرات نقلت بالحرف، و ينقصها قليل من الترتيب لإبراز الفكرة. و لكن إجمالاً الموضوع بأهميته تعدى تلك الصعوبات، ليصل إلى القارئ.  علي شريعتي هو كاتب إيراني، ولد عام 1933 ، درس بكلبة الآداب، ثم استكمل دراسته بفرنسا. جدير بالذكر أنه كان معارض للخمينيين و معارض للشاه، و لذا تتضارب الآراء حول اغتياله الذي حدث في عام 1977.

يرى الكاتب أن للإنسان قيمة كبيرة، فهو خليفة الله في الأرض، ولذلك فإنّ له مسؤولية كبيرة في أن يعرف نفسه وطاقاته وإمكانياته جيدًا (و هذا ما سماه بالنباهة الإنسانية)، وأن يكون واعيًا بدوره في مجتمعه (النباهة الاجتماعية). و يستكمل بأنه على مرّ العصور وجدت جماعات تهدف إلى إلهاء الإنسان عن هاتين النباهتين وعن الحقوق والمطالبات الفورية الأساسية التي تتحقق بها إنسانيته، حتى تتمكن من تسخيره لمصلحتها، وذلك ما يسميه شريعتي بـ”الاستحمار”، أي أن يتم تحويل الإنسان إلى حمار يسهل ركوبه .

ثم يتحدث المؤلف عن شكلين للاستحمار أحدهما مباشر، وذلك ب”تحريك الأذهان إلى الجهل والغفلة، أو سوقها إلى الضلال والانحراف”، والآخر غير مباشر، وذلك ب”إلهاء الأذهان بالحقوق الجزئية البسيطة اللافورية، لتنشغل عن المطالبة أو التفكير بالحقوق الأساسية والحياتية الكبيرة والفورية”

وأخيراً يوضح المؤلف عن بعض القِيَم التي يغرسها فينا المُستحمِرون وتبدو في أعيننا جميلة ورائعة ولكنها استحمار بامتياز، مثل الدعوة إلى التخصص المغرق في علم أو مجال معين دون الإلمام بالثقافة الجمعية مما يؤدي إلى فقدان النباهة الاجتماعية، ومثل الاستهلاكية، ومثل الدعوات إلى الحرية الفردية وتحرر المرأة، والتي وإن بدت دعوات نبيلة أو هادفة إلا أنّ عملها الحقيقي هو الإلهاء عن المسائل الأهم. بمعنى آخر، أنه حتى تبقى القضية الأصلية مجهولة، يخلق المستحمِر حرباً ايهامية و يقيم قضية فرعية حتى تنشغل بها الأذهان.

كم من حرب باطلة، بلا معنى، تقع بيننا في هذا الزمان، فيتضح عبثها بعد انتصار أحد طرفي النزاع!  …. و عند التحقيق و التفتيش، لا شئ في النتيجة، و المعركة تنتهي لصالح الذي أشعل نار الحرب… و بضياع الفرصة، و هلاك جيل و يأسه و حرمانه من ثمرة جهوده و كفاحه، يأتي جيل آخر ليواجه معركة تمويهية أخرى.

الفكرة التي يثيرها الكاتب تشد الانتباه، و أحياناً كثيرة لا تستطيع إلا أن تتفق مع آرائه ، فأسلوب جذب الانتباه لشئون فرعية بهدف الابتعاد عن مناقشة القضية الأصلية موجود منذ قديم الأزل و لا يزال يمارس .حتى الآن بحرفية عالية * . و أحياناً أحس أن بعض الظواهر التي طرأت على مجتمعنا ليست وليدة الصدفة، على سبيل المثال البذاءة و الخلاعة في الأغاني و الأفلام التي تصل في بعض الأحيان لمستوى يقترب لاعلانات دعارة. و لكني رغم هذا لا أتوقع أن كل المناقشات الفرعية المثارة هي وليدة نظرية المؤامرة. ربما تشعبت المواضيع نتيجة تعدد و تشابك طبيعة المجتمع و كثرة المدخلات التي يحللها الفرد في اليوم الواحد.

* “tail wagging the dog”

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s